Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On PinterestVisit Us On YoutubeVisit Us On LinkedinCheck Our Feed

مدونات

كل شيء يبدأ من الحب

الخميس 12 نوفمبر 2015 -
news_0969270001441635688.jpg
- +

تعودنا على استضافة المؤتمرات وورش العمل في قسم التعليم المستمر أسبوعياً في مستشفى الأكاديمية الأمريكية للجراحة التجميلية، لكني لم أتعود على الإصرار على مقابلة المحاضرين بسبب ضيق الوقت إلا ذلك اليوم فقد انتظرته بكل ود وشوق بسبب حضور الجراح الشهير الدكتور ايفس جيرارد اليوس مخترع جراحات شفط الدهون سنة 1977، فقد التقيته في المرة الأولى سنة 2007 وتحادثنا بعلوم الطب التجميلية واستمتعت بشخصيته التي تحمل بين سطورها علامة غير عادية مليئة بالحيوية والتميز والإنجازات.

في أوائل أبريل 2014 مع ألوان الربيع الفاقعة كان يرتدي الطبيب الراحل دكتور إليوس لباساً أبيض جميلاً وهو في التسعين من عمره وهو يحاضر في مستشفانا، كنت أستمع لكل تفاصيل تقنياته وتطوراتها عبر السنين، ولكني لم أضيع أي فرصة للاستفادة من طريقة طرحه وسرده الفني للمعلومات الطبية، وكأن منصة قاعة المحاضرات تحولت في وجوده إلى مسرح يعرض مسرحية شكسبيرية يحتل هو فيها كل النجومية في أساليب الاستعراض المميزة في محاضرته، انتظرته حتى انتهى من ذلك العرض المميز الذي جمع كل جراحي الشرق الأوسط للاستماع إلى خبرته الجراحية كي أستضيفه بعد ذلك في مكتبي الخاص، رحب الدكتور اليوس بدعوتي، وأبدى إعجابه الشديد بمكتبي الإداري وبفخامة الاستقبال في المستشفى، فجراحة التجميل في رأيه هي الجانب الفني من الطب ولا يصلح له إلا من يحمل هذا الإحساس كي يقدمه للناس بإتقان تام، لم أهتم كثيراً بهذا الموضوع لأنها رسالتي في علوم الطب، ولكن كان لدي فضول كبير أن أستمع منه إلى السر الذي يقف وراء إلهامه لاختراعه العظيم، وكيف ولدت لديه فكرة شفط الدهون عندما اخترعها سنة 1977، خصوصاً في ظل الصراعات بين مشاهير الأطباء في تلك السنوات على اختراع حلول لهذه المشكلة السائدة بين البشر.

بعدما سألته بشغف عن سر إلهامه هذا الاختراع سألني: في البداية لماذا تسألين؟

قلت له: لأني على يقين أن وراء كل رجل عظيم امرأة جميلة “لم أكن أقصد أبداً وإنما رميتها دون قصد كنوع من الفكاهة، فمن المؤكد أن يكون لهذا الرجل الوسيم وهو في التسعين من عمره زوجة أو حبيبة جميلة وهو في عمر الخمسين”.

فرد علي قائلاً: كل شيء في الحياة يبدأ من الحب، الطفل والفن والشعر وحتى في الطب.

فقلت له: كيف ذلك؟

قال: أحببت امرأة جميلة وكانت إحدى أهم نجمات السينما الفرنسية، كنت أستمتع بحدة جمالها وكوني جراح تجميل ذا إحساس عالٍ، فميولي كما تعرفين فنية، كانت تلهمني في كل شيء وأصبحت ترافقني في كل المؤتمرات الطبية وأرافقها في كل المهرجانات السينمائية، واستنتجت بعدها أنها امرأة مميزة وغير عادية، واكتشفت أنني أحبها جداً، ليست لأنها أيقونة من الجمال، بل لأنها كانت دافئة وقريبة على القلب، وذات يوم كنا سنذهب سوياً لأحد مهرجانات السينما في باريس وكانت ترتدي فستاناً جميلاً عاري الظهر، فوجئت بها وهي تصرخ بأعلى صوتها وتقول: انظر أيها الجراح الشهير، محبوبتك تحمل في جلدها الجميل كيساً دهنياً كبيراً في نصف ظهرها سوف أداريه اليوم بغطاء ليحميني من كاميرات المصورين وأقلام المحررين ولكن لابد من أن أضعك مسؤولاً أمام كل مخترعاتك فعليك أن تجد حلاً جذرياً في الغد دون أي قطع جراحي فأنا نجمة عالمية، مشرطك الجراحي سيقضي على شهرتك لو لامست جلدي بندبات تغضب جماهيري العالمية، سوف أبقى أحبك ولكن جمهوري سوف ينتقم منك.

ثم قال وهو يتأتئ باللكنة الفرنسية بخليط مع الإنجليزية، تعرفين أني لم أنم تلك الليلة بعد انتهاء حفل الافتتاح ليس خوفاً من جمهور حبيبتي، هي فعلاً كانت نجمتهم لكنها كانت بالنسبة لي حبيبتي ملهمتي أيقونة الجمال الدافئة التي أعشق كل تفاصيلها، موقف صعب كيف لي ألا أفكر وأجتهد وأخترع شيئاً مميزاً لهذه السيدة المميزة، ففي السابق كانت أساليب الجراحة والمشارط ليست مثل الليوم، فكيس في نصف الظهر يحتاج بلا شك في تلك الفترة إلى قطع جراحي كبير لاستئصال الدهون ومعاودة الخياطة، كيف ستعيش أيقونة الجمال هذه بندبة كبيرة في ظهرها وكيف سيكون موقفي كجراح عالمي أمامها؟

وبدأ المشوار منذ الصباح الباكر عندما تذكرت أحد أساتذتي وهو يقول لي أهم مشرط للجراح المتمرس هو سبابته، راجعت هذه المقولة كثيراً وأنا في طريقي لأحد معامل الأجهزة الطبية، حيث طلبت من أحد المصانع بتصميم وتصنيع أنبوبة صغيرة بحجم السبابة كي أستطيع تثبيتها عن طريق فتحة في الكيس الدهني وربطها بأنبوب متصل بقنينة غازية تعمل على شفط دهون الكيس دون قطع جراحي، بالنسبة لي كان مجرد خيال وإلهام أيضاً وخلال ثلاثة أيام كان الاختراع منفذاً والخيال أصبح حقيقة، لم أتردد في المخاطرة بأن تكون حبيبتي النجمة الشهيرة هي أول من يخضع لهذه الجراحة، فكان لابد لي أن أفكر وأفكر كي أعالج محبوبتي كيلا أترك أي أثر أو ندبات في ظهرها الجميل أو على الأقل أن أثبت لها أنها ملهمة اختراعاتي ومن هناك انتشرت نظريتي في شفط الدهون لكل أطباء العالم وانتقلت إلى جميع أجزاء الجسد وأصبحت مطورة اليوم.

بعدما استمعت إلى الدكتور اليوس وهو يسرد حكايته في مكتبي، أصبحت أنا الملهمة في هذه القصة الجميلة التي تشهد عليها زوايا مكتبي التي تحمل بين جدرانها قصصاً أجمل من ذلك.

وقبل أن يبدأ ربيع 2015 رحل الجراح العظيم الدكتور ايفس جيرارد اليوس مخترع جراحات شفط الدهون الشهيرة تاركاً وراءه تاريخاً عريقاً ورثته البشرية بسبب عطائه وحبه لتلك السيدة التي ألهمت عقله بالابتكار.

يقول شكسبير في إحدى مسرحياته: “إن المرأة العظيمة تلهم الرجل العظيم أما المرأة الذكية فتثير اهتمامه”، ترى كيف كانت تلك السيدة؟!

الكلمات الدليلية